أحمد الشرباصي
162
موسوعة اخلاق القرآن
المستقيم من عباده : « أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ » . فالخائف ينبغي له ليستقيم على الصراط أن يوازن بين الخوف والرجاء . وهذا يؤدي بنا إلى بحث أمر يتعلق بموضوعنا ، ويدور حول السؤال التالي : أيجعل الانسان الخوف أكثر أم يجعل الرجاء أكثر ؟ . ولقد قال السلف إنه ينبغي تغليب الخوف على الرجاء ما دام الانسان يغدو ويروح في الدنيا ، فإذا خرج منها حسن به تغليب الرجاء على الخوف عند ذلك . وقال آخرون : ينبغي أن يكون الغالب على القلب هو الخوف ، ويرى آخرون أن أكمل الأحوال هو اعتدال الرجاء والخوف ، وللإمام ابن القيم عبارة جميلة في هذا المقام يقول فيها : « القلب في سيره إلى اللّه عز وجل بمنزلة الطائر ، فالمحبة رأسه ، والخوف والرجاء جناحاه ، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران ، ومتى قطع الرأس مات الطائر ، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر » . ويرى الامام الغزالي في المسألة رأيا آخر له وجاهته ، فهو يرى أن الخوف والرجاء دواءان يداوى بهما القلوب ، ففضلهما بحسب الداء الموجود ، فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر اللّه تعالى والاغترار به ، فالخوف أفضل ، وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة اللّه فالرجاء أفضل ، وكذلك إن كان الغالب على الانسان المعصية فالخوف أفضل ، ثم يرى حجة الاسلام أن الأصلح لأكثر الناس هو الخوف لغلبة المعاصي عليهم . وبعد ، فالخوف من اللّه أدب من آداب الاسلام ، وخلق من أخلاق القرآن ، وفضيلة تعلّم الانسان الخضوع للّه ، والعزة على من سواه ، وتعوده المراقبة لخالقه ومولاه ، فهو يعتبر بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « العبد المؤمن بين مخافتين : بين أجل قد مضى لا يدري ما اللّه صانع فيه ، وبين أجل